ابن عجيبة

488

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر الحق تعالى ما يحل من النساء ، فقال : وَأُحِلَّ لَكُمْ . . . قلت : « وأحلّ » عطف على الفعل العامل في « كتاب الله عليكم » أي : كتب الله عليكم تحريم ما ذكر ، وأحل ما سوى ذلك . ومن قرأ بالبناء للمفعول فعطف على « حرمت » . و ( أن تبتغوا ) مفعول لأجله ، أي : إرادة أن تبتغوا . أو بدل من ( وراء ذلكم ) . و ( محصنين ) حال من الواو . والسفاح : الزنا ، من السفح وهو الصب ، لأنه يصب المنى في غير محله . يقول الحق جل جلاله : وَأُحِلَّ لَكُمْ أن تتزوجوا من النساء ما سوى ذلكم المحرمات ، وما سوى ما حرمته السنة بالرضاع ، كما تقدم ، والجمع بين المرأة وعمتها ، وبين المرأة وخالتها ، فقد حرمته السنة ، وإنما أحل لكم نكاح النساء إرادة أن تطلبوا بأموالكم الحلال ، فتصرفوها في مهور النساء . . حال كونكم مُحْصِنِينَ . أي : أعفة متحصنين بها من الحرام ، غَيْرَ مُسافِحِينَ أي : غير زناة ، تصبون الماء في غير موضعه ، فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أي : من تمتعتم به من المنكوحات فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي : مهورهن ، لأن المهر في مقابلة الاستمتاع فَرِيضَةً ، أي : مفروضة مقدرة ، لا جهل فيها ولا إبهام ، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ من زيادة على المهر المشروط ، أو نقص منه ، مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ، التي وقع العقد عليها ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بمصالح خلقه ، حَكِيماً فيما شرع من الأحكام . وقيل قوله : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ . . . إلى آخره . نزل في نكاح المتعة ، التي كانت ثلاثة أيام في فتح مكة ، ثم نسخ بما روى عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه أباحه ، ثم أصبح يقول : « أيّها النّاس ، إنّى كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النّساء ، ألا إنّ الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة » . وهو النكاح المؤقت بوقت معلوم ، سمى به لأن الغرض منه مجرد الاستمتاع . وتمتعها بما يعطى لها . وجوّزه ابن عباس رضي اللّه عنه ثم رجع عنه . والله تعالى أعلم . الإشارة : يقول الحق جل جلاله من طريق الإشارة : إذا خرجتم من بطن الشهوات ، ورفضتم ما كنتم عليه من العوائد والمألوفات ، وزهدتم فيما يشغل فكرتكم من العلوم الرسميات ، حل لكم ما وراء ذلكم من العلوم اللدنية